د.غازي جمجوم
 

فستان الزفاف


قصة قصيرة بقلم:  د. غازي عبد اللطيف جمجوم

 

     عندما بدأ الخرف يصيب السيدة فتحية أصبحت لا تمل من إعادة سرد بعض الحكايات التي حدثت لها في شبابها ومنها حكاية فستان زفاف أمي.  كانت كلما رأتني تبادر بسؤالي عن اسم  والدتي وما أن أقول لها أنني ابن خديجة حتى تبرق عيناها وتسترجع تفاصيل تلك الحادثة بدقة عجيبة.  ربما سمعتُ منها تلك الحكاية عشر مرات أو أكثر حتى أصبحتُ  أتظاهر بأنني أصغي إليها وهي تتكلم بينما يجول فكري في أشياء بعيدة.  الآن أتمنى لو أنني كنت أكثر انتباها لأن تلك الحكاية أصبحت من أكثر ما أتذكر به أمي .    

     كان أغلب أفراد العائلة يسكنون في البيت الكبير في حارة المظلوم في جدة القديمة بينما سكن الباقون في البيت الأصغر المقابل له.  كان المكتب التجاري لجدي الشيخ جميل وإخوانه ، يقع في الدور الأرضي من ذلك البيت مقابل الشرفة الكبيرة ذات الدكة التي كانت تشكل المجلس الخارجي المفتوح دائما لأهل البيت والضيوف.  جدتي السيدة حلمية ، كانت تنتمي إلى عائلة أتت من جزيرة كريت يوم كانت تابعة لتركيا. وقد توفيت وهي في ريعان شبابها بسبب مرض مفاجئ ألم بها.   عند وفاتها أصاب الحزن الشديد الشيخ جميل حتى أنه كان يهيل على وجهه التراب.  ومع ذلك لم تمض ثلاثة أشهر إلا وقد ذهب لخطبة  زوجته الثانية .  تطلب زواجه تهيئة مسكنه للزوجة الجديدة، ولذا انتقل أبناؤه خديجة وإخوتها الثلاثة الأصغر سنا  للإقامة في شقة جدتهم السيدة نظيرة السورية، ومع أن خديجة كانت يافعة السن إلا أنه وقع عليها مسؤولية العناية بإخوتها وخاصة أختها تحية التي كانت لا تزال طفلة صغيرة.

      كانت السيدة حلمية ، وهي على فراش الموت ، قد طلبت  الشاب عبد اللطيف، وعندما حضر لرؤيتها أوصته بابنتها خديجة التي كانت قد سميت له وفقا لعادة أهل البيت في تسمية بنات وأولاد العائلة بعضهم لبعض حسب ما يظهر لهم ولهن من ميول.  

    كان عبد اللطيف يدرس في مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة استعدادا للسفر إلى القاهرة للالتحاق بالجامعة.  وعندما رجع إلى جدة لقضاء الإجازة كان الاستعداد على أشده في البيت الكبير لعقد قران ابنيْ عمه ، أسعد  إلى نفيسة و محمود  إلى أسماء.  لم يكن متبقيا على موعد هذا الزواج الثنائي إلا أسبوع واحد.  كان كبير العائلة هو العم صالح ، والد الست فتحية ، وعندما لمح  عبد اللطيف انتبه ، فجأة ، إلى أنه نسي أمر تزويج هذا الشاب ، فاستدعاه بسرعة قائلا له: سوف يكون زواجك من خديجة أيضا في الأسبوع القادم مع الزواجين الآخرين.  لم يكن هناك مجال للنقاش .  شعر نساء العائلة بالشفقة على خديجة لغياب والدتها وأيضا لعدم توفر الوقت اللازم لتجهيزها بالثياب الجديدة مثل قرينتيها ولكن لم يكن هناك بد من  تمشية الحال بما كان عندها. 

     تذكرت السيدة فتحية فجأة أن لديها قطعة قماش  أحضرتها من مصر يمكن أن تصلح كفستان زفاف ، و كانت قد قضت في القاهرة عدة سنوات  درست خلالها الخياطة هناك في معهد "بروفيلي" .  كما كان  لديها ماكينة خياطة صغيرة.  لم يكن متبقيا على يوم الزواج حينذاك غير ثلاثة أيام ، ولم تكن السيدة فتحية واثقة من إمكانية  الانتهاء من خياطة الفستان ، ولذا قررت أن تحيط محاولتها بالكتمان التام.  كان لديها  جاريتان ، أعتقتهما ولكنهما آثرتا البقاء عندها ، كلفتهما بالعمل معها ليل نهار لتطريز الفستان حتى تمكن ثلاثتهن من الانتهاء منه قبل الزفاف بساعات قليلة. 

     كان الثوب الجديد مفاجأة حفل الزفاف الكبرى وظهرت خديجة فيه في غاية الجمال.  

    وعندما ذهبت خديجة إلى القاهرة بعد زواجها حرصت على تعلم الخياطة في نفس معهد "بروفيلي" وأصبحت الخياطة هوايتها الكبرى.  كما أصبحت  السيدة فتحية إلى أن ماتت صديقتها الأولى طيلة حياتها